قوة خصمي تكمن في ضعفي

لأول مرة في حياته يتظاهر الهمة أمام السفارة الإسبانية.. فهل أخذ تصريحا من الولاية؟

06/11/2007 |

 

خالد الجامعي:


سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان محتلتان منذ القرن الخامس عشر وآخر مستعمرتين في العالم. ولكن يجب الاعتراف، في المقابل، أن الأنظمة والملكيات المغربية، التي تعاقبت على الحكم خلال كل هذه القرون، كانت غير قادرة على تحرير هذين الثغرين. فبلادنا نالت استقلالها منذ 50 سنة، فماذا فعلت جادة لاسترجاعهما؟
بطبيعة الحال لم يخل الأمر من تصريحات كبيرة وطنانة، تصل أحيانا إلى حد التهديدات الغبية، كحال تلك التي دعت إلى دعم منظمة إيتا الباسكية. لكن هناك شيء واضح، فلا المسؤولون ولا الملكية نفسها كانوا مستعدين للذهاب بعيدا عن التصريحات وبعيدا عن بعض الخطوط التي رسمت خارجا.
زيارة خوان كارلوس لم تكن الأولى من نوعها، فزاباثيرو قام بزيارة مماثلة منذ شهور في فبراير 2006 دون أن يبدي المسؤولون المغاربة رد فعل جدي وحقيقي. واليوم، ورغم هذه الزيارة الملكية، فردة فعلهم لم تتغير في العمق. .
هناك أيضا خطوات من قبيل استدعاء السفير... للتشاور، رغم أنها ليست المرة الأولى. وأما الطبقة السياسية، فقد تراوحت آراؤها بين التحضير لمسيرة خضراء جديدة ومقاطعة البضائع الإسبانية، فقط! بينما هناك من دعا إلى إجراءات أكثر جرأة كإغلاق الحدود.
أما المسؤولون الإسبان، فقد تصرفوا على هذا النحو، أو تحديدا تجرؤوا على التصرف بهذا الشكل، لأنهم يعرفون أن تصرفهم لن يسفر عن نتائج ضد مصلحتهم. فالمغرب لا يستطيع الدخول في حرب لأنه أمر مستبعد، فهو لا يملك الإمكانيات لذلك، كما أن إسبانيا عضو في حلف الشمال الأطلسي والاتحاد الأوربي. علاوة على ذلك، فالجيش المغربي يواجه البوليساريو في الجنوب والجزائر في الشرق.
وأما على المستوى الاقتصادي، فالتهريب الذي يمر عبر الثغرين يساهم، على نطاق أوسع، في انتعاش الاقتصاد غير المهيكل الذي يشكل حوالي 40 في المائة من الاقتصاد الوطني. وبالتالي، فتوقيف مثل هذه التجارة -التي تعتبر غير قانونية لكنها مزدهرة- سيلحق ضررا كبيرا بالاقتصاد المغربي، وسيخفض بشكل خطير من القدرة الشرائية للطبقات المغربية الفقيرة التي تشكل عشرات الملايين. وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة أكثر حدة؛ وهي احتجاجات انتشرت مؤخرا في مجموع البلاد تقريبا تحت مسمى «انتفاضات صغيرة» كما حدث في صفرو.
صحيح أن اقتصاد هذين الثغرين، اللذين يعيشان بشكل رئيسي على التهريب، سيتضرر كثيرا، إلا أن الاقتصاد الإسباني ودعم الاتحاد الأوربي سيسمح لإسبانيا بمواجهة هذا النقص، وستخرج منه بأقل الخسائر.
لقد تصرف المسؤولون الإسبان هكذا لأنهم يعلمون أنهم يواجهون نظاما ضعيفا، وحكومة لا تتمتع بثقة سوى 20 في المائة من الناخبين، وعلى رأسها يوجد وزير أول صورته ضعيفة لدى الشعب، وزير أول متورط في قضية «النجاة» التي كان من ضحاياها 30.000 شاب، وضع أربعة منهم حدا لحياتهم بالانتحار.. حكومة متباينة حيث يغير وزراؤها ألوانهم الحزبية كما يغير المرء قميصه في دقائق معدودات، حكومة غير قادرة على مواجهة أزمة حقيقية وغير قادرة على تعبئة الشارع، وشعب مشغول بمشاكله اليومية وبفواتير الماء والكهرباء وثمن الخبز والخضر أكثر من اهتمامه باحتلال الثغرين. هذا لا يعني أنه لا يجب استرجاع الثغرين، لكن هناك أشياء عاجلة يجب عملها اليوم.
الحكومة الإسبانية قوية بسبب قضية صخرة ليلى، حسب المغاربة، وبيرخيل، حسب الإسبان، حيث حط ذات صباح بعض الجنود المغاربة، وبطريقة مهينة تم إجلاؤهم من طرف كوموندو إسباني، وهي قوية أيضا لأن الرباط لا يمكنها أن تتخلى عن دعم إسبانيا أو حتى حيادها في قضية الصحراء.
في تلك الفترة، لم يكن الوزير الأول الاشتراكي اليوسفي على علم بأحداث صخرة ليلى، وهي عملية غير مدروسة قادها الهمة، الفاسي الفهري وشخص يدعى بنعيسى. هذا الهمة الذي تظاهر أمس لأول مرة في حياته أمام السفارة الإسبانية! ويبقى أن نعرف هل وضع تصريحا لدى الولاية، وهل تسلم وصل الإذن بهذه التظاهرة. هذه القضية، قضية ليلى، التي قال بشأنها وزير الخارجية الأمريكي السابق كولين باول إنها أضاعت وقته.
أما بالنسبة للملكية الإسبانية، فمن جهة، هي خطوة من جانبها لتلميع صورتها موازاة مع تصاعد أصوات تطالب بالنظام الجمهوري، رغم أن هذه الأصوات ليست مسموعة كفاية. ومن جهة أخرى، فالملك يمثل الضامن الأكبر للسيادة والوحدة الترابية الإسبانية.
أما بالنسبة لزاباثيرو، فهو يأمل بهذه الخطوة أن يسجل هدفا في مرمى خصمه الحزب الشعبي الذي يتقدم في استطلاعات الرأي، محاولا استقطاب أصوات اليمين الوطني الإسباني. وبالتالي فليذهب (المورو) إلى الجحيم.
أما من جانبها، فتحاول الحكومة المغربية اللعب على وتر الهوية الوطنية من أجل محاولة تجديد روحها وتغطية الإخفاقات بالدعوة، بطرق غير مباشرة عبر قادة الأحزاب، إلى الوحدة الوطنية من أجل مواجهة التحدي الإسباني وتنحية كل المشاكل الأخرى جانبا. فمن أجل تعبئة الشعب المغربي، يجب التأسيس لإصلاحات عميقة ووضع حد للتعذيب والحصانات، يلي ذلك توزيع عادل للثروات، والانخراط في محاربة حقيقية ضد الفساد، إلى جانب ضمان مرافق صحية حقيقية وتعليم لا ينتج معطلين، واستقطاب رجال أكفاء للسلطة.
فقوة خصمي تكمن أولا وقبل كل شيء في ضعفي.