طباعة    اغلاق
الرأي الآخـــر
مات فرانكو ومازالت «الفرانكوية» حية
04/11/2007 |

توفيق بوعشرين:
زيارة ملك إسبانيا خوان كارلوس إلى المدينتين المحتلتين المغربيتين سبتة ومليلية، ستفتح جراحا غائرة في علاقة البلدين الجارين، تبدأ من التواجد الإسلامي العربي بالأندلس قبل خمسة قرون، وتمر بمعارك الثغور والشواطئ منذ مئات السنين، لتصل إلى الاحتلال الإسباني لشمال المغرب، وتنتهي عند أزمة جزيرة «ليلى» حيث كادت الحرب أن تشتعل بمجرد تحرك ستة عناصر من القوات المساعدة على صخرة ترعى فوقها قطعان الماعز...
تاريخ البلدين ليس كله حروب ومعارك ودم. لقد نبتت على شاطئ هذا التاريخ قصص إنسانية وحكايات تبادل ثقافي وحضاري ولغوي، تستحق أن تروى بين الحين و الآخر، لكن ثقل الحاضر يجعل الذاكرة انتقائية على الطرفين.
الوقائع اليوم تقول: إسبانيا بلد أوربي متقدم ناتجه الخام يعادل ناتج كل الدول العربية مجتمعة، وهو عضو في الاتحاد الأوربي، ثاني قوة عسكرية وسياسية واقتصادية في العالم. علاوة على أن إسبانيا عضو في الحلف الأطلسي، الذراع العسكري الوحيدة القادرة اليوم على التدخل في أية منطقة. من جهة أخرى، إسبانيا تستقبل ثاني أكبر جالية مغربية في الخارج بعد فرنسا، هذا هو نصف الكأس المملوء، أما النصف الفارغ فيقول: إسبانيا أقرب بلد أوربي إلى إفريقيا والعالم العربي (12 كلم)، وإسبانيا ثاني شريك اقتصادي للمملكة، واستثماراتها المربحة في المغرب تمتد سنة بعد أخرى إلى قطاعات استراتيجية. والمغرب هو البلد الأكثر حراسة لأمن التراب الإسباني والأوربي من موجات الهجرة، ومن تسرب عناصر القاعدة الناشطة اليوم في الجزائر ومالي وعموم جنوب الصحراء. ثم إن المغرب هو الدولة الوحيدة في العالم التي تسكت عن احتلال أراضيها، بل وتسمح بأن يصير  الجيبان المحتلان رئة الاقتصاد الإسباني في المدينتين، حيث تدر عمليات التهريب اليومية ملايين الأوريات...
في حديث مع مسؤول مغربي كبير، قال: «كنت وأثنار أيام كان رئيسا للحكومة الإسبانية نتحدث في حديقة بيت ريفي جميل في ضواحي مدريد، وفجأة سألني خارج سياق الحديث: هل تفكرون في استعادة سبتة ومليلية؟»، يقول المسؤول المغربي: «رفعت رأسي إلى السماء، وقلت له: سيد أثنار العالم تغير.. تسألني عن سبتة ومليلية وهما مغربيتان بحكم الجغرافيا والتاريخ، ولكنك تنسى اليوم أن المغرب أعطاكم مدينة جديدة في السعيدية، تشيدها الآن شركة «فاديسا».. فوجئ أثنار بهذا الجواب وغير بسرعة موضوع الحديث...».
انتهى حكم الدكتاتور فرانكو في إسبانيا، لكن عقلية «الفرانكوية» مازالت مستوطنة رؤوس الكثير من النخب السياسية في اليمين واليسار الإسبانيين، وهي التي تجعل من موضوع الاحتلال الإسباني «المخزي» موضوع منافسات انتخابية، هذا في الوقت الذي فتح المغرب فيه كل الأبواب الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية والأمنية أمام الجيران...
إن ضعف الدبلوماسية المغربية، وترهل صورة البلد في الخارج، وعدم القدرة على التوفيق بين الدفاع عن الصحراء والدفاع عن باقي المصالح الاستراتيجية، هو الذي يشجع الإسبان وغيرهم على «إهانة» البلد وسيادته، مع أن الدستور يلزم المسؤولين بالدافع عن السيادة وحماية التراب... لكن أية قيمة للدستور في بلد قيمة الإنسان فيه محل نظر...